أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

البناء مع المحاسبة من اجل مصر المستقبل

ELS_9655%20copy.jpg

مصر بحاجة إلى محاسبة مَن تسبّبوا في الفساد وانهيار بنية الدولة المصرية في المرحلة الماضية، ولكنها بحاجة ماسة أيضًا إلى أن تبدأ مشروعًا متكاملا لاستعادة البناء الحضاري لمصر. من المهم أن ننتصر لدماء الشهداء ونعاقب مَن تسبّب في جرائم ما قبل الثورة، ولكن لا يكفي أن ننشغل فقط بالبحث عن المسروق من أموالنا، ورصد جرائم مَن حكمنا، وتتبُّع أشكال وأنماط الفساد التي سادت مصرنا. نعم كل ذلك ضروري للغاية، ولابد أن تقوم به الأجهزة القضائية المصرية ضمن أطر الدستور والقوانين المصرية، ولكن لا يُعقل من الآن فصاعدًا أن نكتفي كلنا بمجرد التعليق على حالات الفساد السابق، ومتابعة أخبار مجرمي العصر الذي مضى، فقد يكون في هذا خطر حقيقي على مصر المستقبل.

أتابع الصحف المصرية فأجد أن الجزء الأكبر من الأخبار فيها مخصص للماضي .. ونفس الواقع نجده في الفضائيات ومثله في مواقع الإنترنت والشبكات الاجتماعية. هناك هوس – قد نحتاج أن نتجاوزه – بمعرفة وتتبع والتعليق على ما جرَى في عصر فساد مبارك وحاشيته. صحيح أن كل ما نسمع ونرى هذه الأيام يفوق الخيال، ولكننا بحاجة إلى أن نحتفظ بأقدامنا راسخة على أرض الواقع، ومصر بحاجة إلى بناء طويل المدى، وعمل شاق لن ينتهي بزوال طاغية ولكنه في الحقيقة بدأ منذ زال وخُلع. هناك خطورة أن ننشغل بالماضي مهما كان مؤلمًا أو لافتا للنظر عن الحاضر والمستقبل، فقد نفاجأ فيما بعد .. بأننا أضعنا أوقاتا ثمينة كان من الممكن استثمارها في البناء .. أضعناها فقط في المشاهدة والتأمل وأخذ العِبر .. وكل ذلك مهم .. بجانب العمل .. وليس بديلا له.

لقد تفنن العصر السابق في إشعارنا والتأكيد علينا بأننا إما ضحية أو مشاهدين ومتفرجين فقط. وقد يكون لدينا بقية باقية من هذا الشعور حتى بعد الثورة المباركة، وهناك مَن يحرصون على أن ننشغل بالماضي لكي يرتبوا هم لمصر الصورة المستقبلية التي تلائمهم هم. منهم مَن يُريد أن ينقض على الثورة ويُعيد أنماط وشخصيات الحزب الوطني إلى السيطرة على كل أوراق اللعبة مرة أخرى، وبالتالي يُريحه أن ننشغل – نحن – بالماضي ليعيد ترتيب أوراقه وأوضاعه ويخفي جرائم العصر الذي مضى. وهناك مَن يريد سرقة الثورة والقفز عليها، وبالتالي لابد أن يلفت أنظار الشعب نحو الماضي حتى يتيسَّر له سرقة الحاضر. وهناك مَن يريد تمرير أفكار غريبة عن مجتمعنا أو بها من الغلو ما بها، ويريد أن يكون الشعب لاهيًا في أمر آخر ليتم له ما أراد. والأخطر من كل ذلك أن نكون – نحن الشعب – كمَن يقود سيارة إلى الأمام .. وكل نظره مركَّز على المرآة الخلفية .. منشغلا بها عن الطريق إلى الأمام. لا شك أن هذه الحالة ستؤدي عدم إدراك أو اقتناص فرص المستقبل .. وكذلك قد تؤدي إلى أن ننحرف عن الطريق لانشغالنا بالنظر إلى الخلف.

المحاسبة ضرورية وأساسية لكي يدفع كل مجرم ثمن جريمته، والبناء أمر أهم حتى يستفيد البريء من نتاج الثورة والحرية. شعب مصر يجب أن ينتقل من مزاج الضحية إلى مزاج الفعل والبناء والأخذ بناصية المستقبل. لابد أن نتوقف تدريجيًّا عن البكاء على الماضي، لكي ننتقل إلى بناء الحاضر والمستقبل. هناك الكثير من الدعوات التي تنادي إلى العودة إلى العمل، وكأننا ماكينات تحتاج فقط إلى الضغط على الزر المناسب لتبدأ في الإنتاج. الأمر أعقد من هذا. يجب أن يتغير المزاج النفسي للشعب المصري أولا. نحتاج جميعًا إلى الانتقال من السلبية إلى الإيجابية .. من التواكل إلى التوكل .. من الإحساس بأننا ضحية إلى الشعور أننا منتصرون وبأيدينا نملك تحقيق الكثير.

لقد نجح الشعب المصري بتكاتفه مع الجيش في أن يُقدِّم نموذجًا فريدًا لقوة الشعب وإصراره مع وطنية الجيش وحكمته، ورسَمَ صورة غايةً في الإبداع لثورة متكاملة تُشكِّل نمطًا فريدًا من المشاركة الشعبية في تنظيم انتقال السلطة بعد الانهيار شبه الكامل لمؤسسات الحكم، وهذا يدل على العبقرية المصرية التي لا يليق أبدًا معها أن نشعر أننا الآن ضحايا لأحد. نعم عانينا من الظلم والقهر والاستبداد، ولكن المخزون الحضاري الجمعي للشخصية المصرية كان ولا يزال قادرًا على أن يحوِّل كل هذا التراكم من الظلم إلى طاقة انتصار وبناء. وهذه الروح التي تسري في الشعب المصري بأكمله الآن هي الروح التي يجب أن توجَّه إلى الحاضر والمستقبل، وأن تُحزَم هذه الطاقة الجبّارة التي تولدت أثناء وعَقِب الثورة إلى طاقة بناء وليس هدم أو مشاهدة أو تدمير ذاتي.

هناك مَن يُريدون أن تُبنى مصر المستقبل على اختلافاتنا .. وعلى مصالح طبقة أو فئة على حساب أخرى .. وهناك مَن يُريدون أن نعود لنقدِّس فردًا واحدًا .. فرعونا جديدا نبدأ في صناعته لكي نرجمه بعد حين. ولكننا لابد أن نبدأ البناء على نقاط اتفاقنا .. على المساحة المشتركة التي تجمع كل أطياف شعب مصر المحب لبلده والراغب في الانتقالة الحضارية الملائمة لها. وهنا دور المفكرين والمثقفين وقادة الفكر والرأي في المجتمع المصري .. نناديهم أن يساعدوا مصر على الانتقال إلى البناء .. وعلى تأكيد مفاهيم الإيجابية .. وعلى التركيز على استنهاض الهمم .. وعلى إبراز روح الثورة المباركة التي فجرت طاقات العطاء والحب لمصر .. وأخيرًا .. أن يُركِّزوا على أن نبني مصر على مساحة الاتفاق المشتركة بين محبي مصر .. وهم أغلب الشعب .. وضِمْنَ هذه المساحة من الاتفاق، وهي المساحة الأكبر من تصوراتنا وحياتنا في مصر.

إن مصر بحاجة إلى تقوية “التيار العام” للمجتمع المصري حول البناء .. وليس أن نقوِّي التيارات التي على أطراف المجتمع حول الهدم. إننا بحاجة أن يكون الخطاب العام في مصر معبِّرًا عن “الأغلبيةالصامتة” أوكانت هكذا تسمى .. ولكنها ليست صامتة اليوم في مصر، وأن ندعو الأحزاب إلى منطقة الوسط وليس أن تنشأ وتحيا على أطراف المجتمع المصري .. إن منطقة الوسط .. ومساحة الاتفاق المشترك هي التي ستساهم في وجود قوة “التيارالعام”. المصري القوي بقيم المجتمع والمعبِّر عن هُوية الشعب المصري العامة والمدافع عن الجماعة الوطنية المصرية كإطار جامع لكل مَن يُحبون مصر. المحاسبة هامة ولكنها ليست أهم اليوم من البناء .. والبناء لا يحتاج فقط أن نبدأ العمل .. ولكن أيضًا أن نستحضر النية .. ونستلهم روح الثورة الإيجابية والحانية على كل أبناء مصر .. وأن ندعو قادة الفكر والرأي في مصرنا الحبيبة أن يساعدونا أن ننظر إلى الأمام .. ولا مانع أن ننظر بين الحين والآخر للمرآة الخلفية لنتعظ ونحاسب ونتعلم .. ولكن الأهم أن نركز النظر على المستقبل .. فالطريق رَحْب وواسع وأمام مصر مستقبل مشرق يجب أن نحث السعي نحوه معًا يدًا بيَدٍ.

عن محرر

شاهد أيضاً

@MusaHamad لو هناك شك لي في هذا ما كتبت هي مصرية بلا أدى شك ولا يقلل هذا من حبنا وتقديرنا لأهلنا بالسودان الحبيب

@MusaHamad لو هناك شك لي في هذا ما كتبت هي مصرية بلا أدى شك ولا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]