أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

قبلة البرادعي .. ومستقبله (يوم 6 ابريل 2010م .. اي منذ عام ونصف .. سبحان الله)

73316_315628221888159_1922030124_n.jpg
مضى أسبوع وأنا أبحث في الإعلام عن أي مثقف أو كاتب صحفي يشاركني في مشاعر الضيق أو الانتقاد للقطة التلفزيونية التي تم بثها الأسبوع الماضي للدكتور محمد البرادعي وهو يودع مجموعة من الزوار من المثقفين المصريين، وتظهر اللقطة الدكتور البرادعي وهو يقبل سيدة ضمن الحضور بينما يسلم على بقية الرجال عند مغادرتهم لمنزله. قام الدكتور البرادعي بتقبيل السيدة كعادة البعض في الغرب، وأعني بذلك قبلتين على جانبي الوجه، وهي عادة بين الغربيين، ولكنها غير معروفة أو مقبولة بين الأقليات العربية أو المسلمة في الغرب، وهي بالتأكيد ليست من وسائل الترحيب أو التوديع في المجتمع المصري سواء المحافظ أو المتحرر .. النخبة أو غيرها من فئات المجتمع .. ومن المؤكد كذلك أنها لا تعتبر تصرفاً مقبولاً للسياسيين المصريين على شاشات القنوات الفضائية.
ما لفت نظري أن اللقطة نشرت وأذيعت في القنوات الفضائية، وهي لقطة واضحة ولا أظن أنني الوحيد الذي رآها بين من يتابعون الحياة السياسية في مصر، ولكني أعجب لسكوت الجميع عن ذلك، بما فيهم تيارات المعارضة وخصوصاً التي ترتبط بالتيارات المسلمة، وأتخيل ما الذي كان من الممكن حدوثه لو قام أحد قيادات الحزب الوطني أو الوزراء بهذا التصرف على شاشات التلفاز .. هل كنا سنلتمس له العذر .. أو نسكت عن انتقاد الفعلة غير اللائقة وغير المقبولة في جميع فئات المجتمع المصري. لماذا سكت الجميع؟ سؤال يحيرني! 
 
يزعجني أننا في إطار بحثنا عن مخرج لمشاكل مصر الكثيرة والمتراكمة، نقبل بخيارات غير منطقية ونصنع حولها هالات من التقدير دون أن نتوقف لنفكر قليلاً فيما إذا كانت هذه الشخصيات مؤهلة حقاً للتغيير الذي تنادي به، دون أن نشكك في النوايا .. ولكن أن نتساءل بصراحة عن القدرات والإمكانات. أعلم أن معظم تيارات المعارضة المصرية لا تريد أن تنتقد الدكتور محمد البرادعي، وأنه حتى التيار الإسلامي الذي يسمى أحيانا بالجماعة المحظورة لدى الإعلام الحكومي، ويسمى بالإخوان المسلمين لدى بقية المجتمع .. حتى هذا التيار الإسلامي السياسي يسكت عن انتقاد أو حتى طرح التساؤلات حول مشروع الدكتور محمد البرادعي، ومدى ملائمته لحل مشكلات مصر. 
 
أحد القيادات الإعلامية المصرية المعارضة والمعروفة بحدة انتقادها للنظام وكذلك للتيارات المتحررة في المجتمع المصري أوصاني ألا أنتقد البرادعي علناً لأنه يمثل الأمل في المرحلة القادمة ـ على حد قوله، ولم أوافقه في الرأي ولا في تقييم الشخصية. لفت نظري كذلك أننا أصبحنا نعتبر كل من ينتقد الدكتور محمد البرادعي على أنه موال للحكومة أو يحاول أن يتملق لها، ولكن لدي تساؤلات أظنها مشروعة ومن الواجب أن نوجهها إلى الدكتور البرادعي دون أن نشكك في مصداقيته أو محبته لمصر، أو حتى رغبته في التغيير .. تساؤلاتي حول إمكاناته الحقيقية ورؤيته في التغيير، ومدى ملائمتها لواقعنا واحتياجاتنا الملحة. 
 
قبلة البرادعي، والتي تبعها صلاته في مسجد الحسين ثم حديث الشاعر عبد الرحمن يوسف عنه على أعتاب مسجد الحسين أنه “يأكل الطعام ويمشي في الأسواق”، وهو استخدام لنفس كلمات الآية الكريمة التي تتحدث عن نبي كريم .. وليس البرادعي بنبي .. كل ذلك جعلني أتوقف وأتساءل عن مدى إدراك الدكتور البرادعي لتعقيد وحساسية الواقع الاجتماعي المصري. تساؤلاتي تتجاوز موضوع القبلة .. أو الصلاة في مسجد أو نية زيارة كنيسة، وأضعها في نقاط محددة أعتقد من المهم أن يجيب عنها أنصار دعم مشروع الدكتور محمد البرادعي في تغيير مصر، وهذه النقاط هي:
* لماذا لم نسمع عن رغبات الدكتور البرادعي في تغيير واقع مصر طوال السنوات الماضية رغم أنه كان في موقع قوة يسمح له “كمواطن مصري” أن يشارك في الحياة العامة المصرية، أو أن يظهر أدنى حد من الاهتمام بها، ولكن لم يحدث هذا أبدا طوال الأعوام الطويلة الماضية. 
 
* أتساءل عن مدى فهم الدكتور محمد البرادعي لظروف مصر ومدى تدهورها، ولا أعني بذلك فقط قضية تبادل السلطة أو مواد الدستور، أو قضايا الحياة السياسية وهي قضايا هامة بلا شك، ولكن الشعب المصري يعاني من أخطار أعقد وأكبر في هذه المرحلة يجب أيضاً أن نتعامل معها، وهي مرتبطة بالفقر وفقدان الأمل وانهيار التعليم وانعدام الفرص الوظيفية المناسبة، وتدهور القيم العامة، ولم أسمع الدكتور البرادعي يواجه أي من هذه القضايا برؤية واضحة أو حاسمة أو حتى تحمل بشائر أمل. تبادل السلطة أمر هام .. ولكن إحياء الأمل .. وتوفير العمل .. واستعادة التعليم .. وإنقاذ القيم .. قد تكون أهم بكثير، ولكن الدكتور البرادعي لم يقدم لنا رؤية أو تصور حول هذه القضايا المعقدة والشائكة. 
 
* يزعجني أن الدكتور البرادعي يلوم الحكومة، والحكومة فقط .. وكأنه يدغدغ مشاعرنا .. ويخرجنا كشعب خارج دائرة المسؤولية أو التأثير أو حتى الحل، وهذه خرافة لا تليق ولا يجب أن نقبلها من أحد. مشكلات مصر لنا – نحن كشعب – جزء من المسؤولية في حدوثها، والأهم أننا بالتأكيد لابد أن نكون عنصراً هاماً لحل هذه المشكلات. مصر بحاجة إلى قائد يستنهض همتها .. ويدفع الشعب بأكمله نحو التغيير ..فلن تحل مشكلات مصر بتغير الرئيس أو الوزارة فقط .. مصر بحاجة إلى نهضة شاملة، وإلى أن يتحمل أحد الأجيال مسؤولية إصلاح ما حدث في المرحلة الماضية. يمكن ان نلوم الغير كما نريد، ولكن التغيير سيحدث عندما نقبل أن نتحمل نحن مسؤولية المستقبل، ومن يحاول تخدير الأمة أو إقصائها عن دائرة المسؤولية أو الفعل، إنما يريد فقط ان يستبدل شخص بشخص .. أو واقع سياسي بواقع سياسي آخر .. ولا شك في أهمية ذلك، ولكنه لا يكفي، وليس من المقبول أن نتحول إلى مشاهدين عندما يكون الحديث عن إنقاذ حياة شعبنا أو مستقبل أبنائنا، وهذا ما يفعله أنصار البرادعي حتى لا نسألهم عن مشروعهم .. إنهم يشاركوننا في الغضب مما يحدث الآن من انهيار عام، ويستغلون ذلك لإقناعنا أننا لسنا مسؤولين لا عما حدث، ولا عن التغيير .. إلا أن نساعد الدكتور البرادعي لكي يترشح للانتخابات. هذا هو دورنا فقط، وهو دور غير كافي ولا مقبول لمن يريدون الخير لهذا البلد. 
 
* أتساءل أيضاً كيف يمكن أن يكون الدكتور البرادعي بلا أي هوية سوى معارضة النظام الحالي .. كيف يمكن أن يلتقي بالإسلاميين ويعدهم بما يريدون .. ثم يلتقي بالقيادات الليبرالية ..ويعدهم بما يريدون .. ثم يذهب إلى الكنيسة ليتحدث كرئيس للمستقبل .. ويذهب إلى الحسين ليقدم الصياغة المسلمة لمشروع التغيير الخاص به .. ثم يقبل سيدة تغادر منزله .. ثم يتحدث عن قيم المجتمع المصري وأخلاقياته .. ثم يمدح الرئيس مبارك، ولكنه ينتقد كل شيء في الدولة المصرية .. ثم يتحدث عن عدم ممانعته أن يصل الإخوان الى الحكم .. ثم ينادي بدولة علمانية .. وهكذا. أتمنى أن أسمع من الدكتور البرادعي .. ليس فقط محاولة أن يقدم لكل فريق ما يريد .. ولكن أن يخبرنا بوضوح .. من هو .. وماذا يريد؟ 
 
* أتساءل عن حياة الدكتور البرادعي السياسية في مصر قبل تولي المنصب الدولي .. لم يعرف أبداً في حياته العملية أنه من أنصار التغيير .. ألم يكن جزءاً من نفس النظام الذي ينتقده بعنف الآن .. ألم يشارك في أعلى مستويات اتخاذ القرار الخارجي المصري، ولم يعرف عنه طوال حياته المهنية أنه كان قوة من قوى التغيير، أو شخصية تقدم أفكاراً إبداعية أو ابتكارية لحل المشكلات .. لم يعرف عن الدكتور البرادعي هذا طوال حياته المهنية .. بالعكس فإن القوة الحقيقية التي تمتع بها الدكتور البرادعي وساهمت في نجاحه الدولي هو في قدرته على الحفاظ على الاستقرار .. وليس قيادة التغيير .. فلماذا فجاءة وبعد أن شارف على منتصف السبعينيات من العمر .. يحدث هذا التغير الفجائي في الشخصية، وتصبح شخصية مغامرة، وراغبة في التغيير الدرامي للواقع المصري. لماذا يجب أن نصدق إمكانية أن يتغير شخص في نهاية مسيرته المهنية ليختلف فجأة عن الصفات الإيجابية والمحترمة التي شكلت كل حياته العملية، ولكنها صفات تناقض الصورة الجديدة التي يحاول أن يقدم بها نفسه إلى المجتمع المصري الآن. 
 
* هل من المناسب أن يحكم مصر شخص يبدأ مسيرة حكمه، وهو على مشارف نهاية العمر؟ القصد ليس انتقاص الدكتور البرادعي لكبر السن، ولكن أليس من حق مصر أن تحظى برئيس عمره يناسب حاجات المنصب الملحة وضرورات أن يكون الرئيس قادراً على تبعات هذا المنصب في المرحلة القادمة من حياة مصر؟ هل خياراتنا المتاحة هي فقط في شباب صغير السن عديم الخبرة .. أو كبار السن ممن هم أقرب إلى أعمار التقاعد منهم إلى أعمار العطاء؟ السؤال قاسي ولكنه مشروع ويجب أن نواجه حقيقة أن منصب الرئاسة بحاجة إلى مزيج صحيح من الخبرات ومن الحيوية والقدرة على العطاء. 
 
* خطوات الدكتور محمد البرادعي تبدو كلها محسوبة بدقة .. ولكنها لا تخضع للواقع المصري .. أشعر كأنه يدفع دفعاً إلى ما يقوم به، وأحياناً أظن أن قلبه لا يعبر عن كلماته ولا يتوافق معها. لا يوجد عندي أي شك في مصداقية أو وطنية الدكتور محمد البرادعي، فلم نرى منه ما يشككنا في ذلك، ولكني لا أستبعد أن يتم استغلال رغباته في لعب دور في المرحلة القادمة في مصر، لكي يمارس نوع من الضغط المحسوب على الإدارة المصرية لتحقيق مكاسب لا تفيد الشعب المصري أو واقعه، وبعدها تتخلص تلك القوى التي تدفع الدكتور البرادعي الآن منه بعد أن يساهم بمحاولته في دفع الإدارة المصرية إلى تنازلات تفيد فقط خصومها دون أن تنفع المجتمع المصري أو واقع الشعب ومعاناته. لا أشكك في وطنية الدكتور البرادعي، ولكني أشكك بقوة في قدرته على فهم تعقيدات الضغوط السياسية التي تمارس لتركيع مصر، أو فهم كيف يمكن أن يحتفظ باستقلاليته بعيداً عن تأثير تلك القوى، وخاصة أنه لا يملك أرضية شعبية تعصمه من الوقوع في حبائل من يريدون استخدامه لمصالحهم الدولية. 
 
* أنظر إلى الفريق المحيط بالدكتور البرادعي الآن فأرى العجب العجاب .. معظهم لا يعرفون الدكتور البرادعي، ولا هو يعرفهم إلا من قريب، فكيف يمكن أن يتماسك فريق كهذا أو يقدم رؤية موحدة لمصر المستقبل؟ أنظر إلى هذا الفريق المحيط به، فلا أجد أي توافق فكري أو ثقافي أو منظومة تجمعهم .. فمنهم الليبرالي.. والإسلامي.. ومنهم المثقف.. والمتسلق.. والجاد .. وصاحب الفكر الهزيل .. هذا الفريق لا يجتمع في نظري حول الدكتور البرادعي .. ولكنه يجتمع حول فرصة يقدمها الدكتور البرادعي، وإذا زالت الفرصة فسينقسم هذا الفريق على نفسه شر انقسام، وإذا تعرض الفريق إلى ضربة قاسية فسينقسم على نفسه شر انقسام .. وإذا قدر له النجاح وحان وقت قطف الثمرة .. فسينقسم أيضاً على نفسه شر انقسام .. فكيف لعاقل أن يراهن على فريق كهذا ليكون مسانداً لمرشح لأهم منصب في مستقبل مصر؟ 
 
أسئلتي قد لا تكون لائقة من ناحية البروتكول، أو غير مناسبة من ناحية التوقيت، أو غير مقبولة لمن يريدون للدكتور البرادعي أن يندفع لتحقيق أحلامهم هم .. ورغباتهم هم، ولكنها أسئلة مشروعة وهامة وقد تكون نافعة للدكتور البرادعي .. ونافعة لأبناء مصر وهم ينظرون إلى هذا الحراك السياسي اللافت للنظر. أتمنى أن تشهد المرحلة القادمة رؤية أوضح عن مواقف الدكتور البرادعي لخدمة مصر، وان تظهر الأيام تصرفات أكثر توافقاً مع أخلاق مجتمعنا، وأن يؤكد لنا عبر كلماته من هو .. وماذا يريد .. وماذا سيقدم بحق إلى شعب مصر.
 
د.باسم خفاجى
فى 7 نوفمبر 2011

عن محرر

شاهد أيضاً

سلسلة مقالات الثورة (15) – نحتاج إلى ثورة !

في العام الماضي كتبت أننا لا زلنا بحاجة إلى ثورة .. وفي العام الذي قبله …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]