أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

السادة والثيران

3834054413.jpg

كان للرومان رياضة بشعة، وهي أنهم كانوا يأخذون الأقوياء من عامة الشعب، ويضعونهم في حلبة المصارعة لكي يصارعوا الحيوانات المفترسة والثيران.. من أجل أن يستمتع السادة الرومان برؤية الأقوياء وهم يحاولون جهدهم للتغلب على الحيوانات المفترسة والبقاء على قيد الحياة. وكان السادة يجتمعون بأعداد غفيرة للمشاهدة والاستمتاع بصراع الأقوياء مع الحيوانات .. فإن فاز الأقوياء وتغلبوا على الثيران .. كوفئوا بالحياة إلى يوم آخر لمصارعة حيوان أشد افتراساً أو لمصارعة إنسان آخر أشد دموية. وفي كل الأحوال كان السادة يستمتعون بمشاهدة الإنسان الذي يجاهد لينقذ نفسه، أو بمشاهدة الحيوان الذي ينجح في افتراس الأقوياء ويحظى أيضاً بالحياة إلى يوم آخر .. وإلى صراع جديد.

كان هذا حال الرومان .. وسقطت إمبراطوريتهم .. لأنها لم تقدر قيمة عطاء الإنسان .. ولأنها أيضاً تحولت إلى قطيع كبير ممن يسمون "السادة" الذين كان همهم الأكبر البقاء على قيد الحياة والاستمتاع بصورة أو بأخرى بمشاهدة صراع الإنسان مع من يريد افتراسه والنيل منه.. كان المهم للسادة في كل الأحوال أن يتوافر الرصيد الكافي من الأقوياء .. ومن الحيوانات أيضا .. والأهم أن يبقى السادة دائما في مقاعد المشاهدين.

وسقطت إمبراطورية الرومان .. ولكن بقيت الرغبة السادية لبعض "السادة" في الاستمتاع بمعاناة البشر دون أن يحركوا ساكناً .. وانتقلت تلك الصفة المقيتة من شعب لآخر .. ومن أبناء حضارة إلى أبناء حضارة أخرى … ولكنني لم أتوقع يوماً أن تصلنا نحن .. (خير الأمم) .. (ومهد الحضارات) .. (وأفضل المجتمعات) هذه الصفة المقيتة .. أن نبحث عن الأقوياء في مجتمعاتنا .. ونلقي بهم إلى وحوش الدنيا .. ثم نجلس على حافات الأرصفة لنقيم المعاناة .. وننتقد الأداء .. ونراهن على النصر أو البقاء .. ونحزن –أحيانا- على فقدان الأبطال .. ولكننا في كل الأحيان نبقى في مقاعد المشاهدين .. ونحافظ على مواقعنا على أرصفة الطرقات ..

أليس اليوم منا "سادة" يحفزون الجميع للمنافسة الحامية بل وللقتال .. بشرط ألا تؤثر هذه القضايا على مصائرهم .. على مستقبل أحلامهم المادية .. على أولادهم.. نعم نحن نأسى ونحزن لفقدان شهيد وأي شهيد – كما نحسبهم عند الله تعالى .. بشرط ألا نكون نحن آباء هذه الدرر. من منا اليوم يحلم أن يكون ابنه من شهداء مصر.. ويصبح هو أبا الشهيد أو أم الشهيد ..

ندعو الآخرين إلى الاحتساب .. إلى العمل .. إلى الجهد .. ثم نعود إلى حياتنا لننعم بها ويعانوا هم .. إذا شاركنا أو وقفنا في مظاهرة .. لابد أن نتأكد أنها في عطلة حتى لا نترك أعمالنا .. وتأكدنا أن رؤساءنا لن يعرفوا بأننا ندعم هذا أو ذاك .. أو لن يمانعوا في ذلك .. أو لن يكترثوا … إذا تحدثنا عن أي قضية مع غيرنا .. أصبحنا نختار من المصطلحات ما يناسب الخصم .. لا ما يعبر عن قضايانا .. وغلفنا ذلك بأغطية "الحكمة" و"الذكاء" و"الدعوة بالتي هي أحسن" …

المهم أحبتي .. أن نبقى سادة .. وأن نبقى في مقاعد المشاهدين .. وأن نحفز الأقوياء للمزيد من القتال والمزيد من الصراع .. ليصبح لحياتنا الفكرية والعاطفية والسياسية معنى.

أعلم أن كلماتي قاسية .. وللبعض غير عادلة .. ولكنني أتحدث عن ملايين من أبناء بلادنا .. أين هم؟ تعلموا من السادة الحكام أن يشجبوا .. وأن يحزنوا .. وأن يطالبوا البيت الأبيض بالتحرك .. ولكن لا يتحركون .. يطالبوا الشرعية الدولية باتخاذ موقف .. ولكنهم لا يتخذون .. يطالبون العلماء والقادة بالعطاء .. ولكنهم لا يفعلون .. والحجة الجاهزة دوماً أن الأنظمة لن تتركنا نفعل غير ذلك.

ولهؤلاء أقول .. إن أنظمة العالم اليوم لا تسمح لأي جيش أن يقتل الأبرياء من الأطفال .. ولكنهم يفعلون .. أنظمة العالم اليوم لا تسمح باصطياد المخالفين في الطرقات وقتلهم دون محاكمة .. ولكنهم يفعلون .. الأمم المتحدة تنادي بحقوق الإنسان .. ولكنها تنتهك في كل يوم .. ولا يتحركون.. نحن اليوم أيها السادة في عالم لا يعرف إلا منطق القوة .. ولا يستجيب إلا إلى الأقوياء .. ولا يحترم إلا أصحاب المبادئ الذين يقاتلون من أجلها ولا يكتفون بالحديث عنها.

لقد تعودنا أن نترك الأقوياء في صفوفنا يعانون .. انظروا إلى أحزابنا .. إلى جمعياتنا .. ومؤسساتنا الاجتماعية والفكرية والدينية والإعلامية.. كلها تعاني من نقص المال .. وكلنا نطالبها بالعطاء والتضحية والبذل .. نتركها في كل لحظة تقاوم وتقاتل على كل جبهة .. ونحن فقط بين متأمل ومشاهد ومنتقد وحاسد.. وكلنا –مع ذلك- نطالبهم بالعطاء.

المشكلة ليست فقط في دعم من يريدون العمل لبلادنا .. أو الوقوف بجانب مؤسسات الخير … المشكلة أن ينتشر بيننا مرض "المشاهدين" هذا المرض الذي أهلك الأمم التي سبقتنا .. والذي ينتشر في أبناء أمتنا في كل يوم .. ليس من العدل ألا نداوي أنفسنا من هذا المرض اللعين .. وليس من العدل أيضاً أن نطالب الآخرين –ممن نحب ونقدر- بمقاومة الهلاك كل يوم دون أن نمد لهم يد العون لكي ننعم نحن بالحياة.. فبئست حياة "السادة" لمن يحملون قلوب العبيد

عن محرر

شاهد أيضاً

@MusaHamad لو هناك شك لي في هذا ما كتبت هي مصرية بلا أدى شك ولا يقلل هذا من حبنا وتقديرنا لأهلنا بالسودان الحبيب

@MusaHamad لو هناك شك لي في هذا ما كتبت هي مصرية بلا أدى شك ولا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]