أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

صناعة الطغاة

ELS_9580%20copy.jpg

من يتأمل العالم الذي نعيش فيه اليوم يلحظ أن الحكم الدكتاتوري التسلطي يكاد يختفي من معظم الدول. أما في العالم العربي والإسلامي فلا زلنا ننتج الحكام المتسلطين والجبابرة، ولا زلنا نمدحهم ونكيل لهم أسمى آيات الخضوع والانكسار. إن السؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا لم يفرض التغيير العالمي نفسه على بلادنا وخصوصا العالم العربي. إن بعض الدول الإسلامية قد بدأت تخرج من دوامة الحكم الفردي، ولكن الغريب أن العالم العربي مازال يتخلص من طاغية ليستبدله بآخر. التصور البسيط للمسألة والذي يجنح إليه معظم أبناء العرب أن المشكلة في الحكام وأنهم هو الذين يفرضون التسلط على العامة، ولا شك في صحة ذلك جزئيا، ولكن أليس هذا هو حال كل الطغاة في كل البلاد وكل الأزمان. لماذا استطاع العالم أن يتخلص من طغاته، ولم نستطع نحن؟ هل نحن اليوم في مصر في طريقنا لصناعة طاغية جديد بشكل مختلف .. ولكنه طاغية .. هل نحن من يصنع الطغاة؟ أفكر في هذا الأمر منذ سنوات .. وأرى علامات الخطر تنذر مصر بنية صناعة طاغية في ثوب رجل عادل .. وعلينا أن نقاوم هذا

لنتأمل كيف تدار الشركات في عالمنا، وكيف تسير دفة العمل في المصالح الحكومية، وكيف تعمل المؤسسات الخيرية والدينية وجمعيات النفع العام. ألا نلاحظ أن التسلط والرأي الفردي وتقديس الأشخاص هو الصفة الغالبة على أكثرها. إننا شعوب عاطفية محبة للسلطة ولا شك في ذلك، وإذا رأينا من يترأس العمل أحببنا أن نقترب منه، وأن يكون هو أيضا أفضل من غيره، فنبدأ في المدح والثناء ونكثر من ذلك؛ فيصدقه الرئيس سواء كان مدير مدرسة أو شيخا جليلا أو رئيس دولة، ويصبح المدح والثناء غذاء روحيا لهذا الشخص يستمد منه الرغبة في المزيد من العمل والمزيد من المدح، بل وحتى الرغبة في البقاء. ولا نبخل نحن لأننا مرة أخرى شعوب عاطفية نحب أن يمدحنا الغير، وبالتالي نتمادى في إعطاء ما نحب أن يعطى لنا.
ويكبر المدير داخليا ويعلو في نظر نفسه ويبدأ في التصرف بطريقة أكثر فردية، ويقرب حوله من يعينه على ذلك، وهو دائمًا كثير، وفي المقابل يبدأ العقلاء في بعض النقد البناء، ولكننا –نحن- ننهرهم، وننصحهم بعدم تعطيل المسيرة، وأن يعملوا معنا بدلا من أن يتفرغوا للنقد والإزعاج، ونستمر نحن في ذلك في جمعياتنا ومدارسنا ومؤسساتنا وشركاتنا ولا شك أيضًا في دولنا. وقد ننزعج من الناقدين إلى الحد الذي يجعلنا نهاجمهم، ونحاول إزاحتهم من الطريق، ويرى الرئيس ذلك فيزداد قناعة بأنه على خير، وإلا فلم نقف نحن معه، ولماذا ندافع عنه، وبالتالي يبدأ هو في البحث عن أسباب انتقاد البعض له، ونبدأ نحن في تقديم الأسباب، فمرة حظوظ النفس، ومرة الحقد، ومرة عدم إدراك حكمة القائد، ونستغل ذلك للمزيد من تقديس الذات وإعلاء الأشخاص فوق منازلهم، ويسابقنا الرؤساء في ذلك فيقول لسان حالهم (لم نأمر بها ولم تسؤنا) ويتفاقم الوضع أكثر، فشهوة المنصب كغيرها من شهوات الدنيا يحب الإنسان منها المزيد، وهي كماء البحر كلما شربت منه ازددت عطشا إليه.
عبر التقديس وإضفاء الهالة من الحكمة والذكاء والفهم نصنع نحن طغاتنا .. يكبر الرؤساء ويتعاظم شأنهم في أعيتهم هم بسببنا نحن ، وتأبى نفوسهم العودة إلى الماضي .. وللأسف فإن هذا هو حال أغلب الرؤساء في عالمنا فنحن الذين نصنع الأصنام، ولكننا نعجز عن تكسيرها، فقد بنيناها بإخلاص فأصبحت أقوى منا، وأكثر صمودًا ورغبة في الحياة والبقاء. انظروا كيف يقاتل كل رئيس .. أو مشروع رئيس .. من أجل البقاء على كرسيه .. أو حلمه الذي صنعناه له .. نرى ذلك في الدول وللأسف نراه أيضا في المساجد ودور العبادة وجمعيات النفع العام، ونراه أيضًا في الشركات والمؤسسات. لماذا؟ لأننا نضخم من دور الفرد ونقلل من دور الجماعة، ونبحث دائما عن صلاح الدين وإذا لم نجده صنعنا لأنفسنا صلاح. ألم نجعل صدام حسين يوما صلاح الدين؟ ألم يبدأ جمال عبد الناصر ضابطًا صغيرًا حولناه في سنوات قليلة إلى طاغية يهتف على المنبر (أنا الذي علمتكم الكرامة) ألم يقل ذلك للشعب الذي احتضنه وجعل منه صنمًا، ومع كل ذلك بكاه هذا الشعب كما لم تبك أمة رجلاً. المشكلة أكبر كثيرًا من أن الحاكم متسلط .. إن الشعوب هي التي صنعتهم وهي التي اليوم تلعنهم. .. وأسأل نفسي اليوم .. هل نصنع لأنفنسنا صنماً جديداً .. لكي نرجمه غدا

هل يمكن أن تكون المشكلة فينا نحن .. هناك من يرى أن المشكلة في العقل العربي هي مشكلة اتكالية وعاطفية. يقولون أننا نبحث عمن يحمل عنا هموم الأمة لكي نتفرغ نحن للدنيا. نبحث عن الشخص الذي نلقي عليه بكل التبعة لكي يرتاح ضميرنا، ونشعر أننا قمنا بواجبنا، وعندما يظهر من يتقبل هذه المهمة، لا يهمنا كثيرا دوافعه، ولا نبذل الجهد في تقييمه أو تقويمه، بل نلقي عليه بالهموم وكذلك بالهجوم. ليس كلامي مدحا لحاكم أو التماس عذر له، فكما ذكرت سابقا فكأننا نحن من يصنع ضغاة يقهروننا نحن ويستبدون بالرأي من دوننا نحن، والمشكلة أن الضغاة لا يزالون يتكاثرون في عالمنا العربي في المؤسسات والهيئات والشركات، وهو ما يفسد علينا كل أمل في التقدم والنجاح. ومن لا يصدقني فلينظر كيف تدار انتخابات الاتحادات والنقابات وحتى مؤسسات العمل العام وكيف يحدث التصارع في الجمعيات العربية والإسلامية ليس في العالم العربي فقط، بل حتى بين الجاليات في أمريكا وأوربا.. حيث تلك البلاد التي تعتنق أفكار العمل الجماعي وفرق العمل .. وحيث لا توجد سلطة حقيقة ولا مسؤوليات عظمى .. حتى في تلك البلاد حيث اجتمعت نخب الأمة الفكرية والثقافية، بل وحتى كثير من النخب الدينية، رأينا التصارع على كل منصب، وصناعة الطغاة، ثم التفنن في رجمها ولعنها.
فكما أن هناك ظلمة من الضغاة .. فقد يكون هناك ظلمة يصنعون لأمتهم ضغاة .. فهل نحن منهم؟

لا شك ان الفرد مهم في نجاح الأعمال، وبعض الأفراد حباهم الله بقدرات غير عادية فهم الرواحل التي تحمل هموم الأمة وتنطلق بها إلى الأمام، ولكن إذا إذا أردنا أن يخرج من بيننا صلاح الدين، فلنكن نحن أيضًا في جدية وحزم والتزام وشجاعة الشعوب التي عاشت وخرج من بين أبنائها صلاح الدين. النظم المتسلطة لها مقومات تجعل الحاكم يتسلط، ومن أهمها أن الشعوب تصبح فارغة فاسقة لا هم لها إلا الدنيا، فيستخف بها الفرعون، ويسلمون له بالطاعة، ليس لأنهم نبلاء، بل لأن الفسق والمجون وحب الدنيا أو حتى الجري وراء أحلامها أوالصراع عليها قد أصبح شغلهم ودينهم، فلكي تهدم الأصنام، لا بد أن نستعيد عزيمة وقوة الرجال، وارجعوا إلى التاريخ قبل أن يكتب عليكم التيه

عن محرر

شاهد أيضاً

@MusaHamad لو هناك شك لي في هذا ما كتبت هي مصرية بلا أدى شك ولا يقلل هذا من حبنا وتقديرنا لأهلنا بالسودان الحبيب

@MusaHamad لو هناك شك لي في هذا ما كتبت هي مصرية بلا أدى شك ولا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]