أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

فاكرني هندي! مقال كتبته قبل الثورة!

Industrial_Land_In_India_Kochi_City_50_Cents.jpg
عند المصريين عبارة شائعة وعنصرية ومقيتة وخطأ كذلك .. نقول “إنت فاكرني هندي والا إيه” وكأننا نصف الهندي بأنه قليل الذكاء أو الفطنة أو التعليم. لو كانت العبارة صحيحة أو معبرة عن قلة ذكاء الشعب الهندي، لكانت بالتأكيد خاطئة من ناحية الإيحاء والدلالة العنصرية البغيضة التي تحملها. فما بالك والعبارة أيضاً ليست صحيحة على الإطلاق في عالم اليوم الذي تتحرك فيه الهند لتكون أحد الدول العظمى والمؤثرة في عالم الغد، ويبقى السؤال .. وماذا عن مستقبلنا نحن المصريين؟ 
 
منذ فترة أعلنت الهند عن إطلاق أول رحلة فضائية لها تهدف إلى الوصول إلى القمر، وإلى دراسة سطح القمر، والبحث عن وجود الماء فيه. أشار الباحثون إلى أن المركبة “تشاندرايان 1” وهي مركبة فضائية صنعتها وكالة أبحاث الفضاء الهندية انطلقت من مركز فضائي في جنوب الهند لتقوم بتجارب وعمليات مراقبة حول القمر وفوقه مثل دراسات لطبقات سطحه وعمليات بحث عن معادن ومواد كيميائية خصوصاً، بفضل إنزال مسبار صنع في الهند على سطح القمر. كما تعتزم الهند إطلاق أول رائد للفضاء عام 2014م، وإطلاق مهمة فضاء مأهولة للقمر عام 2020م، وفي إطار الاستعدادات، كانت الهند قد أطلقت أربعة أقمار صناعية على صاروخ واحد لأول مرة في يناير عام 2007م، من بينها واحد أعيد إلى الأرض، كما تشير وكالات الأنباء .. هذا هو “الهندي” الذي نتحدث عنه باستهزاء. 
 
نحن في مصر لا زلنا نناقش فكرة توفير الخبز للمواطنين، وإشكالية من قتل فلانة؟ ولماذا تحرق مبانينا الأثرية والتاريخية والقومية في منتصف النهار، ولا نملك إلا إدانة الماس الكهربائي اللعين! قضايانا الحيوية تعكس أولوياتنا وواقعنا في هذه الأيام. وأسأل نفسي .. من نحن لنهزأ بشعب الهند .. وحتى إن جاز لنا أن ندعي التفوق على الغير، فهل يجوز لنا أن ننظر بدونية لمن حولنا من الشعوب، وهل كان سبباً في تأخرنا الحالي .. أننا احتقرنا من حولنا، وانشغلنا بذلك عن رؤية وإدراك كيف تقدمت الشعوب، وكيف تخلفنا نحن عن ركب السائرين؟ 
 
لا زلت أجد عند اللقاء ببعض النخب المصرية من يتحدثون عن التخلف العربي، وعن قلة الفهم والإدراك لدى الشعوب التي حولنا، وعن الذكاء الفطري للشعب المصري بالمقابل، وقدرته الفائقة على التقدم تحت الضغوط في مقابل الاستحقار والاستهزاء بالآخرين. لا شك أن المصري ذكي، ولكن الذكاء من نعم الله التي لم يختص بها فقط أبناء الكنانة، وحرم منه ــ جل وعلا ــ الباقين. وماذا سيفعل الذكاء مع شعب بلغت نسبة الأمية الحقيقية فيه ما يقارب من 40% من التعداد؟ أما الأمية الثقافية والتقنية، فهي تلتهم نسبة أخرى كبيرة من أداء الشعب المصري، وبالتالي من واقع مصر وأملها في المستقبل. تذكرت عبارة لأحد قيادات دولة عربية يقول فيها: “إن قوة بلادنا هي في قوة الأفراد .. وتصبح بلادنا غنية عندما يصبح الأفراد أغنياء .. وتتقدم دولتنا عندما نهتم بالتعليم وتطوير الإنسان”. لماذا لا نسمع قادتنا في مصر يتحدثون عن قوة الأفراد، وعن غنى الشعب، وعن تعليم الإنسان! 
 
ليس لنا في أي حال من الأحوال أن نهزأ بغيرنا من الشعوب، ولعل الميل المصري إلى السخرية من الآخرين هو ما جعلنا في مصر ننافس على المقاعد الأخيرة في معظم المسابقات المرتبطة بمعايير التقدم والنجاح في عالم اليوم. ألم يأن الأوان لكي نغير هذا الواقع المريض؟ أليس الوقت قد حان لكي نعود إلى الجدية في التعليم، وإلى الجد في العمل، وإلى الاجتهاد بحق في الحياة. هناك من أبناء مصر من يكدون ليل نهار، ويعملون الساعات الطوال، ولكنهم يحصلون على الفتات. وبالتأكيد تلام الدولة .. ويلام نظام التعليم .. ولكن أليس من المناسب أن نسأل أنفسنا لماذا نعمل ولا نحصل على المقابل المناسب .. وهل لهذا علاقة بالتعليم والتطوير؟ 
 
أعتقد أننا لا زلنا كشعب نخلط بقوة بين الحصول على الشهادات وبين التعليم. لا زلنا نخدع أنفسنا بمحاولة الحصول لنا ولأبنائنا على شهادة تبدو متميزة، دون أن نتعلم أو يتعلمون، ودون أن ننظر في حال سوق العمل، ثم نخرج ويخرج من نحب إلى معترك الحياة لنجد أن الشهادة لم تعد تكفي، والتعليم الذي تهربنا من الحصول عليه ضروري بحق في عالم اليوم، وحياة التكاسل التي ألفناها تحول بيننا وبين النجاح. 
 
نتطلع حينها إلى الكسب السريع، ونغار من الأغنياء والقادرين على قنوات الفضائيات، فلدينا الكثير والكثير من الوقت لنراقب برامج التلفاز. نبحث عن أقصر الطرق للحصول على المال، ويتلقف أبناء أمتنا في الغالب النصابون الذين يعرفون مدى حاجتنا إلى الكسب دون عمل، وإلى الراحة في بداية الطريق، وليس هذا سمت الناجحين. نخسر نحن كثيراً وتخسر معنا مصر، ولا يبقى عند البعض إلا الحسرة على النفس والاستهزاء بالآخرين .. للأسف يمضي الكثير منا أوقاتهم في المقاهي .. يضحكون .. ويسخرون من الهند ومن العرب ومن أنفسهم أيضاً .. ولكنهم لا يعملون، أو يعملون ساعات طوال دون كفاءة، ويعودون من يوم متعب بحصاد قليل. 
 
كيف نفسر أن مقاهي مصر مزدحمة منذ الصباح وحتى الصباح .. كنت منذ أيام عائد مع صديق من اجتماع عمل، وقد تجاوزت الساعة منتصف الليل .. كانت القاهرة مزدحمة .. والشوارع تعج بالناس .. والمقاهي والمطاعم عامرة بالزبائن، وكنا في منتصف الأسبوع، أي أن الصباح هو يوم عمل للجميع. أولاد في سن المدارس كانوا في الكافتيريات. وكأن مصر في عطلة أو في عيد.  
 
في أي بلد أوربي أو آسيوي أو عربي تجد الشوارع خالية من الناس في مثل هذه الأوقات، لأنهم في الصباح يعملون! نحن في حاجة إلى مواجهة أنفسنا إن كنا نريد لنا ولمصر الخير. نحتاج إلى التعليم .. وليس إلى الشهادات. نحتاج إلى العمل، وليس الانتقاد. نحتاج إلى الجد، وليس لوم الآخرين. وإن لم نفعل .. فسيعيش أولادنا في زمان يهزأ فيه من حولنا من الناس قائلين: “إنت فاكرني مصري والا إيه”!
 
د. باسم خفاجي
كتب 23 اكتوبر 2008
اعيد النشر 11 مارس 2013
 

عن محرر

شاهد أيضاً

سلسلة مقالات الثورة (15) – نحتاج إلى ثورة !

في العام الماضي كتبت أننا لا زلنا بحاجة إلى ثورة .. وفي العام الذي قبله …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]