أخبار عاجلة
[huge_it_slider id="1"]

لماذا هزمت ثورة مصر .. وكيف ستنتصر – السبت, 3 (ديسمبر) 3, 2011

198418_10150127401207492_776542491_6478181_7205624_n.jpg
 
كتبت منذ نهاية 2011 أن الثورة المصرية جاري هزيمتها ووضعت تصورا لكيفية الانتصار. الحل لا يزال في 9 خطوات عملية كتبتها يومها
 
هزمت الثورة المصرية مؤخراً في عدد من المعارك التي خاضتها لكي تنهض مصر. هذه حقيقة لا تحتاج إلى إنكار، وإنما نحتاج نحن أن نفهمها وأن نقرها وأن نتعامل معها ولا نستسلم لها. فهم طبيعة الهزيمة في معركة يمكن أن يكون هو المحرك الحقيقي للعودة إلى النصر. إنكار الهزائم يؤدي إلى الوقوع في المزيد منها. التعلم من هزيمة معركة .. يمكن أن يؤدي إلى الانتصار الحقيقي والنهائي في الحرب من أجل مستقبل أفضل لمصر وشعبها. لماذا هزمنا .. وكيف سننتصر؟ هو موضوع هذه الرؤية التي يناقشها هذا المقال.
لماذا وكيف هزمت الثورة المصرية؟
لقد هزمت الثورة المصرية في عدد من المعارك في نهاية عام 2011م رغم الانتصارات الأولية التي حققتها في بداية العام لمجموعة من الأسباب التي يمكن أن نوجزها فيما يلي:
 
· لم تتمسك الثورة بشعارها الرئيسي وهو “اسقاط النظام” واكتفت بـ “إسقاط الرئيس” .. لم يسقط نظام القهر والتسلط المصري ولكنه ترنح وكاد أن يسقط في 28 يناير، ولكنه منذ تلك اللحظة بدأ يستعيد توازنه وساعدت النوايا الثورية الطيبة في السماح بعدم إسقاط النظام والاكتفاء بإسقاط بعض الرموز التي كانت محترقة في كل الأحوال، وضحى بها النظام المصري من أجل أن يستعيد توزانه وسيطرته على الحياة المصرية.
· فشلت الثورة في الاتفاق على شكل قيادي لها من اللحظات الأولى .. وتحولت إلى مجموعة كبيرة من القوى الوطنية التي جمعتها التضحيات والألم لحظات الهجوم عليها، ثم فرقتها لحظات التفكير في مستقبل مصر لاختلاف التصورات والمشارب والرؤى حول مستقبل مصر، وعدم وجود قيادة للثورة توجه المجتمع المصري بأكمله، وليس فقط ميدان التحرير أو ميادين مصر التي عبرت عن روح الثورة. الثورة لم تنشيء قيادة لها تخاطب شعب مصر، وانما تكونت قيادات عديدة لمخاطبة الثوار فقط أو النظام .. بينما كان الأهم هو مخاطبة الشعب. وعندما أرادت الثورة لاحقاً أن تشكل لها مجلس قيادي أو رئاسي تنازعت المصالح والأفكار وأصبحت الفكرة نفسها وكأنها مرض أو وباء يفر منه الجميع رغم أنه لا توجد ثورة بلا كيان قيادي لها.
· لم تنجح الثورة في أن تحصل على انحياز الشعب لها، بل أن الوقت أصبح يفقد الثورة كل يوم المزيد من بريقها لدى عموم المجتمع. أسباب ذلك متعددة ويمكن تفصيلها وكتب فيها الكثير، ولكن المحصلة الرئيسية أن الثورة المصرية حالياً لا تتمتع بانحياز المجتمع المصري لها، بل أن الكثير من الطبقات الاجتماعية وفصائل ومكونات الشعب المصري تشعر أن الثورة لم تأت بجديد إلا المزيد من البلطجة وانعدام الأمن وفقدان الاستقرار. ساهم الإعلام الرسمي والموجه في ذلك بقوة، وكذلك استغلال الأجهزة السيادية والأمنية لرغبة الشعب الملحة في الاستقرار، وتوظيف البلطجية للقيام بأعمال إجرامية تسببت عند الناس في ربط كلمة الثورة بعدم الاستقرار وعدم الأمان.
· فشلت الثورة في تحجيم تأثير الفلول بسبب شعار “سلمية .. سلمية” – والشعور المبكر والسابق لأوانه بالانتصار- ولم تتخذ اجراءات حازمة تجاه فلول النظام السابق، بل سمحنا لهم طوال الشهور الماضية بالعمل على وأد الثورة والانقلاب عليها. أليس غريباً أنه قد سمح لعناصر نظام المخلوع بإنشاء العديد من القنوات الإعلامية ووسائل التأثير المباشر على الرأي العام، إضافة إلى توظيف المال في دعم عدم الاستقرار وأعمال البلطجة! بل أليس الأعجب أن سمحت الثورة للفلول بإنشاء أحزاب سياسية جديدة بنفس الوجوه الفاسدة، بل والمشاركة في الانتخابات أيضاً. ساهم تباطؤ المجلس العسكري في محاكمة فلول النظام في ترسيخ فكرة ان المجلس ليس معادياً للفلول ولم ينفها المجلس ولم تعارضها بعض قوى الثورة وساهم هذا في زيادة جرأة الفلول في محاولاتهم للقضاء على الثورة ان امكنهم هذا.
· لم توفق الثورة في استقطاب العديد من عناصر المجتمع المصري التي عارضتها في البداية إلى صفها. بل حاولت قوى الثورة في بدايتها ومن أجل الحماس الكبير لها إشعار من لم ينضموا لها بالذنب في ذلك، والتشهير المؤسف بهم مما أوجد لدى هذه العناصر التي لم تناصر الثورة في البداية ثأراً غير معلناً مع الثورة، رغم أنهم انحازوا لها. من المهم معرفة أن لبعض هذه العناصر تأثير بالغ الأهمية على المجتمع المصري لارتباط بعضها بالتوجهات الدينية والقيمية للمجتمع. كان من نتيجة لفظ الثورة في لحظات عنفوانها الأولي لهذه القوى الدينية تحديداً .. أثراً طويل المدى لأن قيادات هذه القوى وخصوصاً الدينية منها تسعى الآن للتشكيك الدائم في قوى الثورة لأنها لم تشعر أبداً بقدرتها على المشاركة الحقيقية في استكمال الثورة .. لأنها أخطأت في البداية عندما تأخرت في المناصرة .. وأخطأ الثوار بعدها في عدم احتضان تلك القيادات الدينية عندما انحازت للثورة، بل على العكس تم التشهير بهم، فعادت تلك القيادات بعد أن استعادت توازنها إلى الطعن بشدة وباستمرار في تلك القيادات الثورية التي رفضتها في بداية الثورة.
· انشغلت القوى الليبرالية منذ بداية الثورة بأن تجعل “الثورة علمانية” عبر التحذير والتخويف من الإسلام والتيار الإسلامي حتى على حساب الثورة ومكتسباتها. وحاولت تلك القوى العلمانية أن تجعل الثورة المصرية “ثورة علمانية” وليست “ثورة مصرية” .. مما استنفر العديد من القوى الإسلامية المقابلة إلى اتخاذ موقف حذر من الثورة بأكملها وليس فقط من بعض تلك التيارات الليبرالية. حاولت تلك العناصر الليبرالية استخدام الثورة لتقليم أظافر الإسلاميين حتى لا يشاركوا في نجاح ونهضة مصر المستقبل. وبالطبع تحول التخويف من الإسلاميين باسم الثورة على يد هؤلاء الليبراليين إلى ردة فعل عامة في المجتمع المصري تستشعر القلق من الثورة لشعورها الفطري بالانحياز للدين والقيم ورفض تنحيتها عن المجتمع ودورها في حياة الشعب.
· لعبت قيادات بعض التيارات الوطنية وخصوصا تيار “الإخوان المسلمين” تحديداً دوراً بارزاً في إنهاك الثورة لصالح معارضيها رغم أن كوادر الإخوان المسلمين من الشباب والرجال والسيدات لعبوا أدواراً محورية في انتصار الثورة في بدايتها .. ورغم أن قيادات الإخوان ساهمت أيضاً وبلا شك في انتصار الثورة في المراحل الأولى لها، ولكن سرعان ما انحازت تلك القيادات إلى خيار التفاهم مع السلطة والنظام على حساب مكتسبات الثورة نفسها. وفاحت رائحة اللقاءات غير المعلنة والتخطيط للعب على الوترين معاً .. وتر الثورة .. ووتر النظام بشكل تسبب في تأثيرات سلبية بالغة الخطورة على نجاح الثورة، وكذلك على نقاء مسيرتها نحو النصر. استمر هذا الدور لقيادات تيار الإخوان المسلمين تحديداً في إنهاك الثورة عبر التواصل غير المعلن مع قيادات النظام على حساب قيادات الثورة من ناحية .. وتشجيع وحث ودفع بقية التيارات الإسلامية للتعاون مع النظام والانحياز له ضد الثورة – من اجل استعجال النتائج وليس الطعن في النوايا- من ناحية أخرى، وتحقق لهذه القيادات قدر كبير من النجاح في الأمرين معاً وهو ما أضعف الثورة لأن الكوادر الإخوانية وغيرها أصبحت مشتتة بين مناصرة الثورة وبين الالتزام والطاعة للجماعات التي اختارت قياداتها الانحياز للنظام، وبل وساهم ذلك في دفع بقية التيارات الدينية المسلمة نحو نفس الخيار. وهذه النقطة تعد من أدق وأخطر النقاط التي يمكن أن تتسبب في هزيمة الثورة بشكل كامل إلا أن يتدارك الأخوة في ذلك التيار تحديداً .. وأعني قيادات تيار “الإخوان المسلمين” فداحة ما قاموا به خلال المرحلة السابقة. ومن المهم التأكيد على عدم الشك في أمانة أو مصداقية أو حرص أحد من هذه القيادات هنا، ولكن الواضح هو سوء التقدير وتكرار نفس الخطأ القيادي الذي وقعت فيه قيادات الجماعة على مر الخمسين عاماً الماضية من الرهان الخاطيء دائماً على أن النظام الفاسد يمكن إصلاحه من خلال مشاركة الجماعة فيه، وليس عبر تغييره كما طالب الشعب وكان شعاراً للثورة المصرية. إن قيادات تيار “الإخوان المسلمين” بحاجة إلى مراجعة شاملة للفكر السياسي للجماعة وارتباطه بالتمكين للشعب وليس بالضرورة للوصول إلى المشاركة في السلطة، وإنما الإصلاح الحقيقي لمصر ولشعبها. يراهن الغرب وكل القوى المعادية لمصر أن تستمر قيادات الاخوان في العمل من خلال النظام لتصحيحه واصلاحه لأن هذا التفكير يعطي أعداء مصر القوة الكافية لخلخلة واضعاف الإخوان أولا وتهميش مصر ثانيا واشغال المجتمع المصري في صراعات فكرية مستمرة بدلا من النهوض ثالثاً، وتفتيت البنية المسلمة في مصر رابعاً عبر ربطها بمنظومة القهر والفساد الحاكمة. هذه الرباعية تضمن تأخير مصر عن النهوض لعقود طويلة.
· نجح المجلس العسكري نجاحا باهراً حتى الأن في الحفاظ على النظام ضد مطلب الثورة الأول الذي كان “إسقاط النظام”، وذلك عبر سلسلة مستمرة من الإجراءات التدريجية غير التصادمية مع المجتمع ولكنها مصادمة للثورة. وتحولت الثورة لدى المجلس إلى فرصة لكي يجدد النظام شيخوخته بدلا من أن يتغير ليواكب طموحات المصريين. فمثلاً نجح المجلس العسكري في استعادة أركان الإعلام الفاسد وإعادة توجيهه ليهاجم الثورة بأشكال متعددة .. كما تم ضم العديد من القنوات الإعلامية الدينية لتساهم في هذا التشويه للثورة إضافة إلى قنوات رجال الأعمال الذين ارتبطت مصالحهم تاريخيا بالنظام الفاسد وليس بالثورة عليه. وبالتالي اصبحت مهمة الهجوم على الثورة موزعة بين قنوات الاعلام الرسمي والخاص والديني معاً بدلا من السياق الذي سبق تنحية المخلوع والذي كان الاعلام الرسمي فقط يعادي الثورة. كما نجح المجلس العسكري في استخدام الجزرة .. أو سياسات التغريب في إقناع القوى والتيارات الدينية والعلمانية على حد سواء في أن المكاسب السياسية لها في العمل ضمن منظومة النظام أكبر من المكاسب السياسية في العمل ضمن منظومة الثورة.. وبالتالي انحاز الكثير من قيادات تلك القوى الدينية والليبرالية معاً إلى استقرار النظام ضمن رؤية “تجديد الشيخوخة” التي يتبناها المجلس العسكري .. وضد الرؤية الثورية التي تبنت مطلب الشعب وهو “تغيير النظام” وليس تجديد قدرته على الظلم والقهر بوجوه جديدة. ساهم هذا الانحياز في تكوين رأي عام عبر الإعلام والقوى الليبرالية والإسلامية معاً ضد استمرار الثورة ومع اصلاح نظام القهر والتسلط والظلم والفساد.
· استخدم الإعلام – بشكل جديد نسبياً – وبكفاءة بارعة في هدم أركان الثورة ليس بمواجهتها بشكل مباشر كما فعل نظام المخلوع، وإنما عبر تفريغها من الداخل والتشكيك في كل مكوناتها، وإبراز عناصر جديدة في منظومة الإعلام .. وتحديداً الشخصيات الدينية لكي تقوم بالدور الأكبر في التشكيك في الثورة من ناحية .. والتخويف من نجاحها من ناحية أخرى .. وقد تم توظيف الإعلام في المرحلة السابقة للقيام بدورين .. وساهم في ذلك بشكل كبير قيادات دينية ووطنية دون أن تنتبه تلك القيادات لما تفعل. الدور الأول هو التشكيك في الثورة لدى الشعب عبر اتهامات التمويل الأجنبي وتضخيم المخالفات الأخلاقية لبعض الشخصيات والتركيز على فكرة الاستقرار والأمان وأن الثورة ضد كل هذا، وبالتالي تم شحن التيارات الدينية في المجتمع وعموم المجتمع المصري المحافظ ضد الثورة ورجالها وكأنها كانت ثورة علمانية وهي لم تكن كذلك. والدور الثاني هو أن إبراز نفس تلك الشخصيات والقيادات الدينية بشكل مستمر والسماح لها بالتعبير الكامل عن رأيها في مستقبل مصر الدولة “الإسلامية النقية” .. والتأكيد على تلك الفكرة – عبر إعلام يبدو حراً ومتسامحاً – سمح بشحن جميع التيارات غير الدينية وغير المسلمة وغير الملتزمة بالدين ضد الثورة .. التي ظهرت وكأنها ثورة لتحويل مصر إلى طالبان أو إيران كما يؤكد الإعلام بشكل غير مباشر ولكن مستمر. ومن خلال هذا الإسلوب الماكر .. نجح الإعلام المصري الموجه من قبل المجلس في تنفير معظم المجتمع المصري .. بشقيه المحافظ واللييرالي .. من الثورة ومن استمرارها .. عبر إساءة توظيف بعض القيادات الدينية تحديداً في هذا الدور .. مع مساندة من بعض الرموز العلمانية لضمان استمرار الاشتعال السياسي، وقام بذلك بعض قيادات التيارات الليبرالية أيضاً.
· تم توظيف ثلاثي الأمن الفاسد .. والشرطة العسكرية الصارمة .. والبلطجة المنظمة من أجل “إدارة والتحكم” في إشعال ميدان التحرير والميادين الأخرى في مصر بشكل منظم متكرر يضمن تشويه صورة الثورة تدريجياً وإنهاكها بشكل مستمر، وتحييد قياداتها سواء بالقتل أو الإرهاب أو المحاكم العسكرية أو التهديد بها باستمرار وعلى مدى الشهور العشر الماضية. لقد تم استغلال الصورة السلبية لجهاز الشرطة المصرية من أجل تحقيق تلك المكاسب، وتم توريط هذا الجهاز في المزيد من التجاوزات من أجل إيجاد عدو مستمر للثوار بحيث يمكن اشعال الميدان متى ما أراد النظام إما لشغل الانتباه عن قضايا أخطر .. أو لتمرير إجراءات جديدة لحفظ النظام .. أو للقضاء على المزيد من قيادات الثورة .. أو لجعل الميدان مكاناً للبلطجة وأعمال الشغب لتنفير المجتمع بأكمله من الميدان، أو لإقناع التيار الديني تحديداً وقياداته بشكل أكبر أن المجلس العسكري هو الضمانة الوحيدة لسلامتهم في وجه الجهاز المجرم الذي يعيد تكوين نفسه ويمكن أن يعود للبطش بهم!
· هناك أسباب أخرى متعددة يمكن ان تضاف لكي تؤكد فكرة أن الثورة في المرحلة الماضية تمر بانتكاسات حقيقية، ولكن يكفي ما ذكر من قبل، وهو يمثل اهم العناصر التي تسببت في تلك الانتكاسة. نحن أمام لحظة فارقة في حياة المجتمع المصري .. فلا الهزيمة للثورة أصبحت نهائية وحتمية .. ولا انتصار الثورة بعيد المنال ويصعب تصوره. ولكنها لحظة فارقة لأن الثورة أوشكت على الهزيمة بحق .. والنصر أوشك أن يفلت في يدي الشعب المصري، وهنا يجب على كل المخلصين بعيدا عن أي انتماءات أخرى لهم … يجب على كل القوى الوطنية .. أن تستعيد توزانها ورؤيتها الصحيحة من أجل أن تنتصر الثورة .. لأن هزيمة الثورة ستعني عصراً قادماً يجمع كل مساوئ ما سبقه من عصور .. ويضيف إليها مساوئ جديدة تؤدي إلى المزيد من الفساد والقهر للمجتمع المصري تحت شعار براق وهو “ثورة 25 يناير” التي تم تفريغها من محتواها وتحويلها إلى أداة جديدة من أدوات الظلم والاستبداد. ومن هنا تكمن أهمية الحديث عن الحل:
رؤية أولية: كيف تنتصر ثورة مصر؟
تحتاج ثورة مصر أن تنتفض على الهزال الذي اعتراها .. والخيانات التي حدثت بها .. والأخطاء الاستراتيجية التي وقعت فيها، وأن تستعيد ارتباطها بالشعب ورغبتها في نصرة مصر والنهوض بها .. وليس لتحقيق بعض المكاسب السياسية الهزيلة على حساب الشعب. ليس من هدف هذا المقال تقديم خطوات عملية كاملة أو سيناريو لانتصار الثورة، وإنما الهدف هو تقديم رؤية أولية لكيفية تحقيق ذلك. وبالتالي فإن عناصر تلك الرؤية ستحتاج إلى المزيد من الجهد لتحويلها إلى خطوات عملية صحيحة تحقق الهدف المرجو وهو نهضة مصر وانتصار ثورتها. وأهم عناصر تلك الرؤية:
 
1. التمسك بشعار “إسقاط النظام”، فالشعب المصري لم يهدف أبداً عندما ثار بمجمله إلى “تجديد شيخوخة” النظام الفاسد، واستبدال بعض الوجوه الكريهة بوجود أقل كراهة، وإنما كان الهدف هو التخلص من ذلك النظام وإسقاطه من أجل نظام أكثر تعبيراً عن روح الثورة وأكثر مواكبة لطموحات شعب مصر. لم يكن الهدف هو وضع عدد من الأشخاص في السجون وترك النظام بأكمله يعيد تجديد شيخوخته. لابد للعودة إلى فكرة “التغيير” وليس “تجديد الشيخوخة”.
2. تكوين شكل قيادي للثورة يجمع القوى الوطنية بمختلف توجهاتها ومشاربها، على أن يكون الجامع لها هو الوطنية والرغبة في النهوض بمصر، بعيداً عن تلك الأفكار التي لم يقبلها الشارع المصري على غرار “المجلس الرئاسي” .. أو “مجلس قيادة الثورة”. نحن بحاجة إلى شكل قيادي للثورة يرتضيه كلاً من الثوار وعموم المجتمع المصري. فلا ثورة بلا كيان قيادي لها .. ولا تنتصر ثورة لا رأس لها.
3. استعادة انحياز الشارع إلى الثورة، فليس من المنطق ولا من المقبول أن ينقسم المجتمع إلى ثوار وشعب .. أو ميدان التحرير وميدان العباسية. الثورة مسؤولة عن أن تجتذب الشعب لها، وأن تقدم له نفسها بالشكل الصحيح والمقبول.
4. ضم قيادات أغلب القوى السياسية والوطنية والدينية إلى الثورة. فكرة الإقصاء والنقاء الثوري فكرة يمكن أن تكون جميلة في الكتب والدراسات النظرية ولكن واقع ثورة مصر يحتاج أن يجمع ضمن كيانه كل تلك الشخصيات الوطنية التي لم تعادي الثورة ولم تكن من أنصار النظام الفاسد أو من العاملين به. لا يجب أن تقبل الثورة ضمن صفوفها فلول النظام الذي تريد أن تغيره، ولكن من المفيد لها أن تضم ضمن كياناتها تلك الشخصيات التي تأخرت في الانضمام للثورة أو لم تتفهم طبيعتها عند قيامها .. أو كانت حذرة من بطش نظام مجرم لا شك في إجرامه وسطوته. لابد للثورة أن تفسح مكاناً لكل هؤلاء ضمن كوادرها .. المهم ألا يكون الشخص من عملاء النظام السابق أو ممن يشك في وطنيته.
5. منع كل قيادات وفلول النظام السابق من الاستمرار في العبث بالحياة السياسية المصرية. فلابد أن يصدر من القوانين والإجراءات الرادعة ما يسمح بإيقاف نشاط الفلول لعدد من السنوات وليس فقط خلال فترة انتقال السلطة من العسكر إلى المدنيين. على الأقل يجب منعهم من أي شكل من أشكال المشاركة السياسية أو العمل الحزبي لمدة خمس سنوات.
6. توعية التيار الليبرالي بخطورة الانحياز للنظام أو للخارج من أجل الحصول على مكاسب. فالتيار الليبرالي المصري لابد أن يحافظ على وطنيته كما نطالب التيار المسلم بذلك، لابد للتيارات المسلمة أن تتقبل فكرة الحوار والنقاش المجتمعي مع التيار الليبرالي لما فيه مصالح ونهضة الوطن دون التضحية بالمباديء أو القيم والمعتقدات لأي طرف. على الجميع تأكيد فكرة شركاء الوطن الواحد في مواجهة النظام المتسلط الذي يجب على الجميع عدم الانحياز له.
7. تصحيح الرؤية السياسية لقيادات التيارات الدينية وعلى رأسها “الإخوان المسلمبن” عبر جهود مستمرة من خارج تلك التيارات ومن داخلها من أجل تصحيح مسيرة العمل السياسي بها، والابتعاد عن الانحياز للنظام الفاسد والانضمام إلى الثورة. إن النظام الحالي في مصر يحاول أن “يجدد شيخوخته” باستخدام شباب وتنظيم التيارات المتدينة ووضعها في صراعات مستمرة مع بقية تيارات المجتمع المصري، وبها “يجدد شيخوخته” ويضعف تلك التيارات ومن ثم يمكنه القضاء عليها وتحجيمها متى ما أراد. لابد من حسم خيارات الانحياز بحيث يكون انحياز تيار الإخوان المسلمين والتيار السلفي وهما القوة المحركة والمؤثرة على تيارات أخرى كثير في المجتمع المصري .. انحيازاً كاملاً غير منقوص للشعب المصري في مواجهة النظام الذي يجب أن يتم تغييره بنظام صحيح وليس نظام يجدد شيخوخته على حساب كل القوى السياسية والدينية في مصر، ثم ينتقم منها جميعاً.
8. التقاعد الفوري للمجلس العسكري واستعادة الجيش للدور الطبيعي له في حماية حدود مصر وأمنها القومي فقط والابتعاد عن الحياة السياسية المصرية. إن مصر بحاجة إلى وزير دفاع من أبناء جيل الثورة ومن حماتها، وهي بحاجة إلى قيادات للقوات المسلحة تنشغل فقط بأمن مصر القومي وسلامة حدودها وتأمين شعبها.
9. تحرير الإعلام المصري من سلطة العسكر والفلول والمال الفاسد من الداخل والخارج. فبدون إعلام نقي لا يمكن أن يتعرف الرأي العام في مصر على الحقائق والمشكلات والهموم والحلول. إن نقاء الإعلام من شبهات الإنحراف والارتباط بالخارج، ووأد الثورة وتشويه وجوهها .. هذا النقاء هو أحد شروط النهضة في أي مجتمع معاصر، ومصر تستحق إعلاماً يتناسب مع قدرات أبناء مصر الذين يساهمون في إدارة منظومة إعلام المنطقة بأسرها.
إن مصر بحاجة لأن تنهض الثورة من جديد على أسس صحيحة وأهداف واضحة. لابد من الاعتراف أن الثورة تمر بهزائم قد تكون وقتية وقد تتحول إلى دائمة. ما سيحسم ذلك هو توفيق الله لمصر أولاً .. ثم أن تعي القوى الوطنية المعنى الحقيقي لهزيمة الثورة. إنه سيعني تحجيم والقضاء على كل تلك القوى في الأعوام القادمة انتقاماً منها لصالح النظام الفاسد الذي تحاول تلك القوى اليوم إصلاحه أو “تجديد شيخوخته” .. بل وبدأت تقبل بهزيمة الثورة من أجل وهم تجديد ذلك النظام الفاسد نحو الأفضل. 
الحل في مصر .. لن يكون فقط بالثورة على النظام الفاسد وإسقاطه وتغييره .. ولكن أيضاً بالثورة على منظومة وطرق التفكير التي أوصلت بعض القيادات الوطنية المصرية إلى التضحية بالشعب من أجل الانحياز لنظام قهر .. بنية صالحة – بلا شك – تهدف إلى إصلاح ذلك النظام .. ولكن الفعل نفسه يصعب أن يوصف بالصواب .. ونحتاج جميعاً إلى ثورة موازية على هذه الطرق من التفكير وعلى تلك الأنماط القيادية التي أوصلتنا لأن نئد بأيدينا ثورتنا المباركة. 
قد يكون أنصار النظام السابق هم سدنة مشروع “تجديد الشيخوخة” وقد ينضم إليهم البعض لسوء التقدير أو الخطأ في الحسابات .. ولكن بالتأكيد نحن .. الشعب المصري .. نملك استكمال ثورتنا .. وسننجح في “إسقاط النظام” كما أجمع الشعب ونادى وقدم دماء أبنائه من أجل هذا الشعار .. فلا أقل من أن يحصل عليه لنبدأ خطوات النهوض بمصر.
 
د. باسم خفاجي
3 ديسمبر 2011م
ويعاد النشر فى 18 سبتمبر 2013

عن محرر

شاهد أيضاً

سلسلة مقالات الثورة (15) – نحتاج إلى ثورة !

في العام الماضي كتبت أننا لا زلنا بحاجة إلى ثورة .. وفي العام الذي قبله …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

[metaslider id=14341]